قراءة في "زهرة الميعاد" للشاعر أنور خير .. بقلم: ريتا عودة
عدد المشاهدات:
إن أردتَ أن تعرف شاعرًا ما بعمق، عليكَ أن تدخل مِرآته؛ وأنا دخلتُ مِرآة الشاعر أنور خير في "زهرة الميعاد" فعثرتُ على شاعر مرهف الحسّ انطلق ليرسمَ أحلامه العشقيّة فوق غيمة.
يفتتح الشاعر ديوانه بقصيدة: "في معجم الحروف" والتي تُعتبر (إعلانا شعريا/مانيفِستو) عن رحلته التي يستهلّها ب:
" جمعتُ حروف الشوق
في كتاب معجم"(ص9)
فهو يؤسسُ لبناء معجم، وبما أنّها"حروف الشوق" إذن فمعجمه عشقي، لذلك نراه يكرر ذات الفكرة مرة أخرى: "سأزور قصور الشوق وفي يدي معجم"(ص12)، ثمّ يقفل بها القصيدة: "حروفي المعجميّة"(ص12).
وبما أنّ معجمه عشقي، نراه يلجأ إلى مفردات العشق التي تتكرر في القصيدة وفي الديوان ككل: "الشوق، اللهفة، الحبّ،الوجد، العشق، الخ...وجميعها تنتمي للعشق الصوفي المنزّه عن رغبات الجسد).
وهنا قد نتساءل: من هي حبيبة الشاعر التي كرّس لها هذا الديوان؟
يحاول أنور أن يُرواغ الرقيب/ المتلقي فيُصرِّح في جملة تقريريّة: "افتراضيّة هي حبيبتي"(ص10)، لكنه لا يلبث مع الدفقة الشعريّة العاطفيّة أن ينسى الرقيب فيعترف أنّ حبيبته ليست افتراضيّة فهي تملك اسما واسمها ينتهي بحرف الياء:
" سأعيد ترتيب أبجدياتي
من الألف اسمي الأنور
حتّى الياء آخر حرف
من اسمك
يا حبيبتي"(ص11)
وبما أنّ اسمه يقين، إذن اسم حبيبته يقين أيضا.
لكنه لا يلبث أن يتذكّر الرقيب فيُعود إلى مراوغته:
"سأتقمص أطوار العشق الزمنيّة"(ص11) والتقمص يشير إلى أنّ العشق ليس يقينا إنّما حالة اخترعها ليكتب عنها. ثمّ، يعود ويعترف بغرور نرجسيّ ذكوريّ:
"قيصر أنا سأتجلّى
بفروسيتي اللافتة
ولا مهرب من أسر جميع الفاتنات
بين طيّات سطوري"(ص12)
هنا تتجلّى صورة الشاعر عن نفسه فهو يرى أنّه يتمتع بفروسيّة وهي ليست فروسيّة عاديّة إنما "لافتة"، يكللها في لحظة انعتاق الذات المبدعة من سياط الرقيب فيعلن أنه ليس عاشقا عاديا إنما هو قيصر في العشق:
" قيصر أنا سأتجلّى.."(ص12).
رغم كونه قد أعلن في مطلع القصيدة أنّ(الإنسانيّة) هي إحدى سمات هويته، بالإضافة للفروسية اللافتة والرومانسية والعشق الصوفي، عبر الأبيات:
"حروف عليها نقاط التّمني
هي لا تعرف التّجني"(ص9)
إلاّ أنّه في العشق: قيصر!
ولأنّه قيصر.، يحقّ له أن يسجن الفاتنات في ديوانه/ معجمه العشقي ليخلّد ذكراهن:
" قيصر أنا سأتجلّى
بفروسيتي اللافتة
ولا مهرب من أسر جميع الفاتنات
بين طيّات سطوري"(ص12)
إذن، فهنالك الحبيبة وهنالك الفاتنات اللاتي سيكتب عنهن كي يكتمل معجمه العشقي الشامل.
وهكذا، يختتم القصيدة بالتأكيد على أنّ حكاياه العشقيّة ليست من نسج خياله كما حاول أن يُوهمنا، وحبيباته لسن افتراضيات بل هنّ (يقين) عشقي:
"لأجمع الأحلام
في ساحات اليقين العشقي
لأكتبها عنوانا
لحروفي المعجميّة"(ص12)
وهنا نتساءل: من هي زهرة الميعاد التي حمل الديوان اسمها كعنوان وزيّنت صورتها غلاف الديوان؟
أليست هي حبيبته الفريدة التي تفوق جميع الفاتنات ؟ أليست هي ك"زهرة الميعاد" المعروف عنها أنّها لا تنمو الاّ في بلدة الشاعر: بيت جن؟
إذن، لا ديمومة لحبيبته الاّ إن انطلقت من كيانه هو لتنمو كما زهرة الميعاد ، وبما أنّ نمو هذه الزهرة وبقاءها يرتبطان ب (مكان) نلاحظ أهميّة ال (المكان) لدى الشاعر وتكرار مفرداته في الديوان.
ما هي سمات قصيدة أنور خير؟
هو يعلن أنّها نزاريّة الطابع:
" محطتي الأزليّة
عند نزار
أظنّها قبانيّة"(ص11)
تتمتّع بموسيقى داخلية تنبع من المحسنات اللغويّة التي يجيدها الشاعر:
"هي....
لا تعرف النّغمات
وتخالها تغنّي"(ص9)
تحمل رؤاه:
"كثرت أحرف العلة
في دهاليز الرؤى"(ص11)
وترسم أحلامه وأمنياته:
"حروف عليها نقاط التّمني"(ص9)
لكن الشاعر يبدأ رحلته مع ديوانه الأول مع قلق من احتمالات فشل هذه التجربة الشعريّة والتي يعتبرها إبحار لزورقه في بحور القصيدة:
" لم أتقن ريشتي
ولا التجديف في الزورق
خانني يراعي
نسيت مضامين الشاعريّة"(ص10-11)
لكنّه سرعان ما ينفض عنه القلق وينهض بفروسيّة ليعلن أنّه لن يستسلم للفشل إنّما سيجتهد ليبني قصره الشعري ويؤسس معجمه العشقي:
" لا بأس
سأعيد ترتيب أبجدياتي"
هكذا تتفتّح بتلات زهرة الميعاد بتلة بتلة، قصيدة قصيدة، لتنعشنا بعطرها المتفرد ولتثبت أنّ المفردات اذا ما ارتدت هالاتها لا بدّ أن تنصب فخاخ الدهشة للمتلقي الجائع إلى الكلمة العذبة.

ليست هناك تعليقات